الأخبار النتائج المباشرة
دييغو أرماندو مارادونا

عام على رحيل الأسطورة | "دييجو مارادونا" .. رحلة عميقة في عالم الأرجنتيني الساحر والأليم

9:42 ص غرينتش+2 25‏/11‏/2021
Maradona
تحبه أو تكره .. لا تفوت فرصة مشاهدة هذه التحفة الفنية

عام قد مر على رحيل مارادونا عن عالمنا، في الخامس والعشرين من نوفمبر الماضي توقف العالم للبكاء، ووداع الأسطورة الأرجنتينية، مشاهد مهيبة في وداع جثمان الراحل تبقى محفورة في الذاكرة، وحتى الآن الحديث عن خبايا رحيله وأيامه الأخيرة لا يتوقف.

وداعاً مارادونا .. عناوين الصحف 26 نوفمبر 2020

حياة "الفتى الذهبي" لكرة القدم كانت حافلة داخل وخارج الميدان، دييجو كان شخصاً تلقائياً، يعيش بلا حسابات، وهو ربما ما كلفه حياته، ولكن أيضاً صنع عبقريته وجعله محبوب الجميع.

نجح فيلم "مارادونا" للمخرج الشهير أسيف كاباديا الفائز بالأوسكار عن وثائقي الفنانة الراحلة "إيمي واينهاوس" وصانع فيلم "سينا" عن سائق فورمولا 1 البرازيلي الشهير، نجح في تجسيد تلك الحياة التلقائية، ورغم وجود عديد الوثائقيات والأفلام عن حياة النجم الأرجنتيني، ولكن المخرج البريطاني عرف كيف يصنع فيلماً مختلفاً ومميزاً عن البقية.

اعتمد كاباديا على اللقطات الحية من حياة اللاعب، بعضها نادر ويُرى للمرة الأولى، سواء مقابلات معه أو مع المقربين أو المحيطين به، لقطات من مباريات أو مشاهد مصورة من حياة اللاعب وفتراته في إيطاليا والأرجنتين، وحتى السرد الصوتي كان معظمه عبر مارادونا نفسه، ويحدث دون قطع سلسال الذكريات المستمر على الشاشة، ليكون خير تعليق على المشاهد.

إذا كنت من محبي مارادونا مثلي فستشعر أن كل مشهد وكلمة تقال تشعر بمعناها، فمثلاً عندما تقول والدته في اللقطات الأولى "عندما رأيته أنا ووالده يركض بالملعب بكينا"، تريد أن تقول لست وحدك يا سيدتي، بل كلنا! 

عرف كاباديا كيف يخلق حالة من التواصل بين المشاهد والمتفرج، حتى لو كان لا يحب كرة القدم، وهو ما يعلق عليه بيتر كارمودي، الناقد السينمائي مع "جارديان" قائلاً بإن المخرج عرف كيف يأخذك في رحلة روحية لعالم مارادونا، ويجعلك منجذباً له حتى لو كنت مثله لا تحب الرياضة من الأساس.

نجح الفيلم في نقل عفوية مارادونا، الشخص الذي كان جل هدفه لعب الكرة وتوفير حياة كريمة لعائلته بعد سنوات المعاناة، نفس الشخص الذي ترك نفسه فريسة للمخدرات والعلاقات النسائية والارتباط بالمافيا وأهل السوء، والتي سقط ضحيتها نهاية المطاف.

لقطة في بداية الفيلم تلخص الكثير عن مارادونا، يظهر مرتدياً معطفاً من الفرو الثقيل والفاخر، ويسأله المراسل عن ذلك فيرد بعفوية وابتسامة تعلو محياه:  "الأمر أنني أردت شيئاً مريحاً فقمت بشراء هذا، ليس أكثر"

انقسام شخصية مارادونا يصفها مدربه الشخصي فرناندو سينيوريني، والذي لازمه جل مسيرته وتلازمنا تعليقاته طوال الفيلم، بشكل رائع أثناء حديثه قائلاً: "عرفت أن هناك شخصين، هناك دييجو، وهناك مارادونا، دييجو الطفل القلق، ومارادونا الشخصية التي يجب أن تظهر وتتعامل مع الإعلام وعالم الكرة، قلت له مع دييجو أنا مستعد للذهاب لنهاية العالم، مع مارادونا، لن اخطو ولو خطوة واحدة".

نقل الفيلم الشخصيتين بشكل رائع، الشخص القلق ومعاناته النفسية والشخصية، والآخر اللاعب الذي سحر العالم، وعرف رغم معاناته كيف يفصل تلك الشخصية عن الأخرى في معظم الأوقات ويستمر في الإبداع داخل الملعب رغم كم المعاناة خارجه.

ركز الفيلم على الجانب الشخصي الذي حرك مارادونا منذ بداياته دائماً، العائلة، النشأة الصعبة ورغبته في رد الدين لأبيه وأمه، والذي استمر معه طوال مسيرته ولم ينساه مهما حدث، فنراه في أيامه الأولى عندما وفر له أرجنتينيوس جونيورز منزلاً له ولعائلته، وترى مدى السعادة البادية على وجه دييجو الصغير وأبيه وعائلته بذلك الانتقال، وحتى أثناء مونديال 86 حيث استعان بتواجد والده في المكسيك لمساندته.

ذلك الجانب الشخصي لمارادونا الذي حركه دائماً لعب دوراً كبيراً في علاقته بنابولي، المدينة والفريق، فتراه يتحدث عن كيف تأثر بحياة النابوليتانيين التي تعتبر فريقها أهم من أولادها حتى، وكيف حركه الغضب من عنصرية أهل الشمال بحق فريق الجنوب ومشجعيه.

ولكن ليست كل الأمور في نابولي وردية، فكما رأينا الجانب الإيجابي لمارادونا في نابولي، نرى الجانب السلبي وعلاقاته بالمافيا بالجنوب الإيطالي، وبالتحديد عائلة جوليانو، الأمر الذي يعترف به بكل عفوية بحديثه، ولا ينفي أبداً علاقاته معهم والاختلاط الكبير بهم في الحياة الخاصة طوال فترته بنابولي، والذي فتح الباب لتورطه في العديد من السلبيات لاحقاً.

وبالحديث عن العلاقات، يعطي الفيلم جزءاً كبيراً للحديث عن مارادونا والنساء، ويترك الصوت للاعب والعديد ممن ارتبط بهن للحديث وتفسير السحر الخاص الذي تمتع به مع الجنس الناعم، لدرجة أن بعضهن كان يعلمن بخياناته لهن ولم يمانعوا، إذ تبرر زوجته الأولى كلاوديا ذلك قائلة: "دييجو شخص لطيف، حنون، ذكي للغاية، ويجيد الرقص على جميع أنواع الموسيقى، عديد السيدات ادعوا إقامة علاقات عابرة معه، كان ينكرها كلها وكنت أصدقه وأراهن على حبنا".

علاقات متعددة، وعدة زيجات، ومشاكل فيما يتعلق بالنسب، فصول متعددة رسمت شخصية اللاعب وتحكمت في حياته، وتظل تفعل حتى بعد مماته، والتي يكشف الفيلم الكثير والكثير عن تفاصيلها.

محطة مهمة أعطاها الفيلم الضوء هي علاقة دييجو ببلاده، تمثيل دييجو للأرجنتين كان طوق نجاة من مشاكل الحياة الشخصية، وأحياناً أخرى فرصة للثأر سياسياً كما كان الحال في لقاء إنجلترا الشهير في 1986، و"يد الرب" وهدفه "المارادوني" في لقاء إنجلترا لقطتان تفسران كل الأسباب التي تجعله محبوباً ومكروهاً كما يقول أحد النقاد أثناء تعليقه على الهدفين.

يد السوفييت ومباراة إسكوبار .. محطات مجهولة ومجنونة في حياة دييجو أرماندو مارادونا

الفوز كان يحرر دييجو ولكن أيضاً يظهر مارادونا، فنراه بعد التتويج بكأس العالم وهو يكلم والدته ثم يظهر محاطاً بزجاجات الخمر وهو يطلب التقاط الصور مع عشيقته كلاوديا فيافاني والقديسة مريم وصورة لفتاة عارية قال إن لهن الفضل بتتويجه بعد أن بقوا معه طوال البطولة!

المشهد الذي يتكرر في 1987 مع قيادته نابولي لتحقيق لقب "السكوديتو" للمرة الأولى بتاريخه، ووصفه تلك اللحظة بالأهم في حياته رغم أنها بعد عام من الفوز بالمونديال مع الأرجنتين، ويفسر سر العلاقة الخاصة بين دييجو والبارتينوبي.

وإذا كنت لا تفهم حجم تلك العلاقة الخاصة، ينقل لك الفيلم لقطات رائعة للاحتفالات بعد هذا اللقب التاريخي، سواء من قبل مارادونا ولاعبي الفريق، أو من قبل أهالي نابولي بشوارع المدينة، يكفي لقطة اللافتة المعلقة على المقابر يومها: "أنتم لا تعرفون ما فاتكم!".

ولكن مكانة مارادونا الإلهية بنابولي أتت بمساوئها أيضاً، فأصبح اللاعب محاصراً ودون حرية في ظل مطاردة الجمهور والصحافة له حتى ببيته، وبدأ الوجه الآخر، الوجه الذي خشاه فرناندو سينيوريني، المشاكل مع الكوكايين والكحول، التورط مع المافيا بشكل أعمق، وكل ذلك للهرب من "السجن الذهبي" الذي كان يعيشه باعتراف كورادو فيرلاينو، رئيس نابولي في ذلك الوقت.

يعرض الفيلم الجانب المظلم لشخصية مارادونا في تلك الفترة، ومدى عبقريته، إذ أمكن وصف الأمر، في أن يوازن ما بين رغبته في الرحيل وما تلى ذلك من رفض وتحوله للمخدرات ومتع الحياة للمواصلة بنابولي، واستمراره بالتألق في الملعب وحتى قيادة الفريق للقب دوري جديد، وإبعاد شبح الجانب المظلم عن عائلته وبناته.

تمتزج أكبر محطتين بحياة مارادونا الرياضية في 1990، الأرجنتين ونابولي، وينقل لنا الفيلم كيف كتبتا نهاية مسيرته بإيطاليا. كأس العالم 90 والمقابلة الشهيرة بين إيطاليا ونابولي بنصف النهائي، وتصريح اللاعب بأن نابولي المدينة الجنوبية ليست إيطالية أشعل الأمور، وأدى لانقسام كبير يسرد لنا الفيلم بالصوت والصورة كيف أدى لنهاية الرحلة و العلاقة الخاصة بينه وبين نابولي وجمهورها، وأفقده الهالة التي حمته كثيراً في الماضي من شروره.

"الشيطان يعيش في نابولي"، "البغيض"، وغيرها كانت من عناوين الصحف بتلك الفترة عقب أحداث نصف النهائي، ولم يكن غريباً بعدها الانفصال بين نابولي ومارادونا، والتدهور الكبير في مسيرة الأرجنتيني منذ تلك المحطة، ومشاهد حفل عيد الميلاد بالنادي التي نقلها الفيلم كانت كافية للتعبير عنها دون كلمات.

الدقائق الأخيرة من الفيلم تركز على رحلة انهيار أسطورة مارادونا في إيطاليا ونابولي بعد مونديال 90، اتهامات بالدعارة وتعاطي المخدرات، وملاحقات قضائية طاردته حول العالم، ونهاية باعتقاله تحت تأثير الكوكايين وانهيار مشواره وحياته الشخصية.

يقفز الفيلم في الختام لحوار تلفازي في 2004، نرى دييجو بحلة أنيقة ووزنه زائد بشكل ملحوظ محاطاً بتصفيقات المتواجدين، ولكن لاحقاً ينهار باكياً أمامهم عندما يحكي معاناته للتعافي من الإدمان قائلاً: "لقد خسرت المعركة بالضربة القاضية".

كلمات دييجو وشقيقته في ختام الفيلم وكأنها تنبأت بما حدث في السنوات المقبلة، استمر الصراع، ودائماً اختار أن يحارب بمفرده وأن لا يحمل غيره مشاكله، حتى نوفمبر 2020 استسلم دييجو لمشاكله وإدمانه أخيراً..

"أوه ماما ماما ماما، هل تعرفين لماذا يخفق قلبي، لقد وقعت في الحب يا أمي، لقد رأيت مارادونا"، هذا هو الهتاف الشهير لجمهور نابولي لأسطورتهم، وفيلم أسيف كاباديا فرصة حقيقية لرؤية حقيقة هذا الأسطورة بوجهيها، دييجو كان أم مارادونا.

وثائقي "Diego Maradona" متاح للمشاهدة على شبكة HBO الأمريكية.